محمد أبو زهرة

627

زهرة التفاسير

الأدب عما كان يجرى من المسابقات الشعرية في الفخر والغزل في سوق عكاظ . ولقد استبدل النبي صلى اللّه عليه وسلم بهذه المفاخرة خطبة استعرض فيها أمر الإسلام وذكر بعض أحكامه ليقتدى من بعده الأمراء فقد روى الإمام أحمد من حديث أبي نضرة قال : حدثني من سمع خطبة النبي صلى اللّه عليه وسلم في وسط أيام التشريق ، فقال : « يا أيها الناس ، ألا إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربى ، ولا لأحمر على أسود ، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى ، أبلغت ؟ قالوا : بلغ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم » « 1 » . فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ بعد أن بين سبحانه وتعالى ما يجب على الناس أن يذكروه عقب القيام بمناسك الحج ، وهو أن يذكروه هو وحده ، وينسوا أهواءهم وشهواتهم ويغضبوا لمحارم ربهم ، بين ما يقع من الناس ؛ فذكر أنهم طائفتان : طائفة تذكر الدنيا ، ولا يدعون الله بعد مناسك الحج إلا بما يشبع رغباتهم وأهواءهم ، ولا يذكرون الآخرة ، كأن العبادة في نظرهم ليست إلا ذريعة لطلب الشهوات أو الرغبات ، أو مصالحهم الشخصية في الدنيا ؛ وفريق يذكر الدنيا والآخرة ؛ وقد ذكر الفريق الأول بقوله : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا الفاء هنا للإفصاح ، أي إذا كان ذلك أمر الله فالناس ليسوا جميعا سواء في طاعته ، فمنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا ، وقد حذف المفعول للفعل آتنا للدلالة على تعميم المطلوب ، فهم يطلبون كل ما يمكن أن يصل إليهم ؛ ومن طلب الدنيا لا يفرق بين هوى يرديه ، وصالح يقيمه ؛ ومعنى وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أي لا نصيب لهم . وخلاصة المعنى : أن هؤلاء يلجئون إلى ربهم لينيلهم حظهم من الدنيا ، راغبين في كل ما فيها لأنها همهم ، ولا شئ سواها في نفوسهم ، ولا غاية عندهم غيرها ، وليس لهم أي نصيب في الآخرة .

--> ( 1 ) رواه أحمد : باقي مسند الأنصار - حديث رجل من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ( 22391 ) . وأبو نضرة هو المنذر ابن مالك بن قطعة ، من الطبقة الوسطى من التابعين .